الشنقيطي

106

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بالهجرة في قوله لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ الحشر : 8 ] ، وذلك أن الرجل إذا خرج مهاجرا يعلم أن عليه تبعة الجهاد والنصرة فلا يهاجر إلا وهو صادق الإيمان فلا يحتاج إلى امتحان ، ولا يرد عليه مهاجر أم قيس لأنه أمر جانبي ، ولا يمنع من المهمة الأساسية للهجرة المنوه عنه في أول هذه السورة إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي الآية ، بخلاف النساء فليس عليهن جهاد ولا يلزمهن بالهجرة أية تبعية ، فأي سبب يواجههن في حياتهن سواء كان بسبب الزوج أو غيره ، فإنهن يخرجن باسم الهجرة . فكان ذلك موجبا للتوثق من هجرتهن بامتحانهن ليعلم إيمانهن ، ويرشح لهذا المعنى قوله تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ ، وفي حق الرجال أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [ الحجرات : 15 ] ، وكذلك من جانب آخر ، وهو أن هجرة المؤمنات يتعلق عليها حق مع طرف آخر ، وهو الزوج فيفسخ نكاحها منه ، ويعوض هو عما أنفق عليها ، وإسقاط حقه في النكاح وإيجاب حقه في العوض قضايا حقوقية ، تتطلب إثباتا بخلاف هجرة الرجال . واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ معلوم أن المؤمنات المهاجرات بعد الامتحان والعلم بأنهن مؤمنات لا ينبغي إرجاعهن إلى الكفار ، لأنهم يؤذونهن إن رجعن إليهم ، فلأي شيء يأتي النص عليه ؟ قال كثير من المفسرين : إن هذه الآية مخصصة لما جاء في معاهدة صلح الحديبية ، والتي كان فيها من جاء من الكفار مسلما إلى المسلمين ردوه على المشركين ، ومن جاء من المسلمين كافرا للمشركين لا يردونه على المسلمين فأخرجت النساء من المعاهدة وأبقت الرجال من باب تخصيص العموم وتخصيص السنة بالقرآن ، وتخصيص القرآن بالسنة معلوم ، وقد بينه الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه في مذكرة الأصول ، وذكر القاعدة من مراقي السعود بقوله : وخصص الكتاب والحديث به * أو بالحديث مطلقا فلتنتبه ومما ذكره لأمثلة تخصيص السنة بالكتاب قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما أبين من حيّ فهو ميت » « 1 » ، أي محرم ، جاء تخصيص هذا العموم بقوله تعالى : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها

--> ( 1 ) أخرجه عن عطاء بن يسار : أبو داود في الصيد حديث 2858 ، والترمذي في الأطعمة حديث 1480 ، وأخرجه عن ابن عمر : ابن ماجة في الصيد حديث 3216 ، وأخرجه عن تميم الداري ابن ماجة في الصيد حديث 3217 .